أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
639
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأما قراءة ابن سيرين فانتصابها على المدح ولا يجوز فيها الجر ، لأنه : إمّا على البدل وإمّا على الوصف بجمع ، والأوليين في قراءته مثنى فتعذر فيها ذلك . وأمّا قراءة « الأولين » كالأعلين فحكاها أبو البقاء قراءة شاذة لم يعزها ، قال : « ويقرأ « الأولين » جمع الأولى ، وإعرابه كإعراب الأوّلين » يعني في قراءة حمزة ، وقد تقدّم أنّ فيها أربعة أوجه وهي جارية هنا . قوله : فَيُقْسِمانِ نسق على « يَقُومانِ » والسببيّة فيها ظاهرة . و « لَشَهادَتُنا أَحَقُّ » : هذه الجملة جواب القسم في قوله : « فَيُقْسِمانِ » ، و « ذلِكَ أَدْنى » لا محلّ لهذه الجملة لاستئنافها ، والمشار إليه الحكم السابق بتفصيله ، أي : ما تقدّم ذكره من الأحكام أقرب إلى حصول إقامة الشهادة على ما ينبغي . وقيل : المشار إليه الحبس بعد الصلاة ، وقيل : تحليف الشاهدين . و « أَنْ يَأْتُوا » أصله إلى أن يأتوا . وقدّره أبو البقاء ب « من » أيضا ، أي : أدنى من أن يأتوا . وقدّره مكي بالباء أي : بأن يأتوا ، وليسا بواضحين ، ثم حذف حرف الجر فنشأ الخلاف المشهور . و « عَلى وَجْهِها » متعلق ب « يَأْتُوا » . وقيل : في محلّ نصب على الحال منها ، وقدّره أبو البقاء ب « محقّقة وصحيحة » وهو تفسير معنى ؛ لما عرفت غير مرة من أنّ الأكوان المقيدة لا تقدّر في مثله . قوله : أَوْ يَخافُوا في نصبه وجهان ، أحدهما : أنه منصوب عطفا على « يَأْتُوا » ، وفي « أَوْ » على هذا تأويلان . أحدهما : أنها على بابها من كونها لأحد الشيئين ، والمعنى : ذلك الحكم أقرب إلى حصول الشهادة على ما ينبغي أو خوف ردّ الأيمان إلى غيرهم فتسقط أيمانهم . والتأويل الآخر : أن تكون بمعنى الواو ، أي : ذلك الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا ، وأقرب إلى أن يخافوا ، وهذا مفهوم من قول ابن عباس . الثاني : من وجهي النصب : أنه منصوب بإضمار « أن » بعد « أو » ومعناها هنا « إلا » كقولهم : « لألزمنّك أو تقضيني حقّي » تقديره : إلّا أن تقضيني ، ف « أو » حرف عطف على بابها ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » وجوبا ، و « أن » وما في حيّزها مؤولة بمصدر ، ذلك المصدر معطوف على مصدر متوهّم من الفعل قبله ، فمعنى : لألزمنّك أو تقضيني حقي : ليكوننّ مني لزوم لك أو قضاؤك لحقي ، وكذا المعنى هنا أي : ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادة على وجهها ؛ وإلّا خافوا ردّ الأيمان ، كذا قدّره ابن عطية بواو قبل « إلا » وهو خلاف تقدير النحاة ، فإنهم لا يقدّرون « أو » إلا بلفظ « إلا » وحدها دون واو . وكأن « إلا » في عبارته على ما فهمه الشيخ ليست « إلا » الاستثنائية ، بل أصلها « إن » شرطية دخلت على « لا » النافية فأدغمت فيها ، فإنه قال « 1 » : « أو تكون « أو » بمعنى « إلّا إن » ، وهي التي عبّر عنها ابن عطية بتلك العبارة من تقديرها بشرط - محذوف فعله - وجزاء » انتهى . وفيه نظر من وجهين : أحدهما : أنه لم يقل بذلك أحد ، أعني كون « أو » بمعنى الشرط . والثاني : أنه بعد أن حكم عليها بأنها بمعنى « إلّا إن » جعلها بمعنى شرط حذف فعله . و أَنْ تُرَدَّ في محلّ نصب على المفعول به أي : أو يخافوا ردّ أيمانهم . و بَعْدَ أَيْمانِهِمْ : إمّا ظرف ل « تُرَدَّ » أو متعلّق بمحذوف على أنها صفة ل « أَيْمانٌ » . وجمع الضمير في قوله « يَأْتُوا » وما بعده وإن كان عائدا في
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 4 / 74 .